
القاعدة الثالثة والعشرون
إرشادات القرآن على نوعين
أحدهما: أن يرشد أمرًا أو نهيًا وخبرًا إلى أمر معروف شرعًا أو معروف عرفًا كما تقدم.والنوع الثاني: أن يُرشد إلى استخراج الأشياء النافعة من أصول معروفة، ويُعمل الفكر في استفادة المنافع منها، وهذه القاعدة شريفة جليلة القدر.أما النوع الأول: فأكثر إرشادات القرآن في الأمور الخبرية، والأمور الحكمية داخلة فيها.وأما النوع الثاني -وهو المقصود هنا-: فإنه دعا عباده في آيات كثيرة إلى التفكر في خلق السماوات والأرض، وما خلق الله فيها من العوالم، وإلى النظر فيها، وأخبر أنه سخرها لمصالحنا ومنافعنا، وأنه أنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]. فنبَّه العقول على التفكر فيها، واستخراج أنواع العلوم والفوائد منها؛ وذلك أننا إذا فكرنا فيها، ونظرنا حالها، وأوصافها، وانتظامها، ولأي شيء خلقت؟ ولأي فائدة أبقيت؟ وماذا فيها من الآيات؟ وما احتوت عليه من المنافع؟ أفادنا هذا الفكر فيها علمين جليلين:أحدهما: أننا نستدل بها على ما لله من صفات الكمال والعظمة، وما له من النعم الواسعة والأيادي المتكاثرة، وعلى صِدْق ما أخبر به من المعاد والجنة والنار، وعلى صدق رسله، وحقيقة ما جاؤوا به.وهذا النوع قد أكثر منه أهل العلم، وكل ذكر ما وصل إليه علمه؛ فإن الله أخبر أن الآيات إنما ينتفع بها أولو الألباب، وهذا أجلّ العلمين وأعلاهما وأكملهما. والعلم الثاني: أننا نتفكر فيها، ونستخرج منها المنافع المتنوعة؛ فإن الله سخَّرها لنا، وسلطنا على استخراج جميع ما لنا فيها من المنافع والخيرات الدينية والدنيوية، فسخر لنا أرضها، لنحرثها ونزرعها ونغرسها، ونستخرج معادنها وبركتها، وجعلها طوع علومنا وأعمالنا لنستخرج منها الصناعات النافعة؛ فجميع فنون الصناعات على كثرتها وتنوعها وتفوقها- لا سيما في هذه الأوقات- كل ذلك داخل في تسخيرها لنا.وقد عُرفت الحاجة -بل الضرورة- في هذه الأوقات إلى استنباط المنافع منها، وترقية الصنائع إلى ما لا حد له، وقد ظهر في هذه الأوقات من موادها وعناصرها أمور فيها فوائد عظيمة للخلق.وقد تقدم لنا في قاعدة اللازم: أن ما لا تتم الأمور المطلوبة إلا به فهو مطلوب، وهذا يدل على أن تعلم الصناعات والمخترعات الحادثة من الأمور المطلوبة شرعًا، كما هي مطلوبة لازمة عقلًا، وأنها من الجهاد في سبيل الله، ومن علوم القرآن. فإن القرآن نبّه العباد على أنه جعل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وأنه سخر لهم ما في الأرض، فعليهم أن يسعوا لتحصيل هذه المنافع من أقرب الطرق إلى تحصيلها وهي معروفة بالتجارب.الشيخ: يقال: تجارِب وتجرِبة، ولا يقال: تجارُب وتجرُبة، بل هذا لحن، والصواب كسر الراء في المفرد وفي الجمع.قال الشاعر:| قَدْ جَرَّبُوهُ فَمَا زَادَتْ تَجَارِبُهُمْ | أَبَا قُدَامَـــــــــةَ إِلَّا الْمَجْــــــــدَ وَالْفَنَـــــعَ |
***
القاعدة الرابعة والعشرون
القرآن يرشد إلى التوسط والاعتدال في الأمور، ويذم التقصير والغلو ومجاوزة الحد
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [النحل: ٩٠]، قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف: ٢٩]، والآيات الآمرة بالعدل والناهية عن ضده كثيرة، والعدل في كل الأمور لزوم الحد فيها، وألا يغلو ويتجاوز الحد، كما لا يقصر ويدع بعض الحق، ففي عبادة الله أمر بالتمسك بما عليه النبي صلى الله عليه وسلم في آيات كثيرة، ونهى عن مجاوزة ذلك، وتعدي الحدود في آيات كثيرة، وذم المقصِّرين عنه في آيات كثيرة.فالعبادة التي أمر الله بها ما جمعت الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول، وما فُقد فيه الأمران أو أحدهما فهي من الأعمال اللاغية.وفي حق الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم أمر بالاعتدال؛ وهو الإيمان بهم، ومحبتهم المقدمة على محبة الخلق، وتوقيرهم واتباعهم، ومعرفة أقدارهم ومراتبهم التي أكرمهم الله بها.ونهى عن الغلو فيهم في آيات كثيرة؛ وهو أن يُرفعوا فوق منزلتهم التي أنزلهم الله، ويُجعل لهم من حقوق الله التي لا يشاركه فيها مشارك شيء، كما نهى عن التقصير في حقهم في الإيمان بهم ومحبتهم وترك توقيرهم، وعدم اتباعهم، وذم الغالين فيهم، كالنصارى ونحوهم في عيسى، في آيات كثيرة كما ذم الجافين لهم، كاليهود حين قالوا في عيسى ما قالوا. وذم من فرَّق بينهم، فآمن ببعض دون بعض، وأخبر أن هذا كفر بجميعهم، وكذلك يتعلَّق هذا الأمر في حق العلماء والأولياء، يجد محبتهم ومعرفة أقدارهم، ولا يحل الغلو فيهم وإعطاؤهم شيئًا من حق الله، وحق رسوله الخاص، ولا يحل جفاؤهم وعداوتهم، فمن عادى لله وليًّا فقد بارزه بالحرب.وأمر بالتوسُّط بالنفقات والصدقات، ونهى عن الإمساك والبخل والتقصير، كما نهى عن الإسراف والتبذير.وأمر بالقوة والشجاعة بالأقوال والأفعال، ونهى عن الجبن، وذم الجبناء، وأهل الخوَر، وضعف النفوس، كما ذم المتهورين الذين يلقون بأنفسهم وأيديهم إلى التهلكة.وأمر وحث على الصبر في آيات كثيرة، ونهى عن الجزع والهلع، والسخط، كما نهى عن التجبر وعدم الرحمة والقساوة في آيات كثيرة.وأمر بأداء حقوق من له حق عليك، من الوالدين والأقارب والأصحاب ونحوهم، والإحسان إليهم قولًا وفعلًا.وذم من قصَّر في حقهم أو أساء إليهم قولًا وفعلًا، كما ذم من غلا فيهم، وفي غيرهم حتى قدم رضاهم على رضا الله وطاعتهم على طاعة الله، وأمر بالاقتصاد بالأكل والشرب واللباس، ونهى عن السَّرَف والترف، كما نهى عن التقصير الضار للقلب والبدن.وبالجملة، فما أمر الله بشيء إلا كان وسطًا بين خُلقين ذَميمين: تفريط، وإفراط. طالب آخر: شيخ، ويش الضابط في الأمور المطلوبة (...) بعض الأمور (...)؟الشيخ: التوسط معناه أن تكون موافقة للشرع في الكمية والكيفية، والغلو أن تزيد، والتفريط أن تنقص.الطالب: إذا ما كان فيه حد معين.الشيخ: إذا ما حد فهو ما في حد (...)، ولكن لا تكاد تجد هذا أبدًا في أمور الخير (...)، وأمر بالإكثار منها حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» . فلا تجزئ، لكن الأمور المحدودة مثلًا لو قال قائل: أنا أريد أن أصلي في اليوم والليلة ست صلوات. هذا لا يمكن؛ لأن هذا ظلم ومجاوزة.أو قال: أنا أريد أن أجعل الظهر ست ركعات.قلنا: هذا لا يجوز، وكذلك في الإنفاق؛ إنفاق المال لو زاد وأسرف، قلنا: لا يجوز، ولو نقص قلنا: لا يجوز أيضًا، ولكن الخير كله في التوسط. الخلاصة من هذه القاعدة: أن القرآن يأمر بماذا؟بالاعتدال في الأمور؛ لا تزد ولا تنقص، فمن زاد وشدد ورأى أنه لا بد أن نعمل حتى في الأمور المستحبة قال: إنه يجب أن نعمل فيها، وألا نفرط في شيء، فنقول: إن هذا مما نهى عنه الشرع، لا تغلو في دين الله الحق، ولو قصَّر وقال: لا يبالي بالأمور المشروعة، ويقول: أنا أكتفي بما يجب، قلنا: إنه فاته خير كثير، لكنه ليس كالأول؛ الأول أشد، والثاني فاته خير كثير، ولكنه لا يقال: إنك أسأت؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي قال: لا أزيد ولا أنقص على هذا قال: «إِنْ صَدَقَ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .فالحاصل أن هذا أمر ينبغي أن نتفطن له أيضًا حتى في الدعوة إلى الله يكون وسطًا بين التهاون والتفريط وبين الغلوّ والتشديد.طالب: واحد بدل ما يدعي يعني الدعاء في الدنيا في النفل، وصار يدعي في الفرض، هل يصح؟الشيخ: ما فيه مانع، دعاء الله عز وجل في الفرض، وفي النفل في أمور الدين أو الدنيا ما (...) «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ حَتَّى شِرَاك نَعْلِهِ» . طالب: شيخ، إذا كانت إجابة الدعوة (...).الشيخ: الدعوة إلى الله؟الطالب: إي نعم، ما فيها حد، ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَمطلقة؟ الشيخ: بالحكمة العدل والحكمة. الطالب: نعم، لكن أقصد يعني في حد معين عن الدعوة إلى الله أم أنها مستمرة على طول؟الشيخ: لا، مستمرة، لكن كيف تدعو؟طالب: (...) أن يقال: أقتصر بالدعوة؛ يعني مثلًا لا أدعو إلا وقت كذا؟الشيخ: لا، حسب الحاجة قد يكون مثلًا من غير الحكمة أنك تدعو في كل وقت يمل الناس، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعرف هذا النوع، فيتخولهم بالموعظة، ما هو دائمًا يتكلم، فلكل مقام مقال؛ فالحكيم يعرف ربما أنك تكون في مكان ما يناسب أن تقول شيئًا، ولكن تكون في مكان آخر، أو في وقت آخر في نفس المكان هذا.المهم أن الإنسان يجب أن يكون وسطًا في جميع أموره، هذا ما يدعو إليه القرآن: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، يكون عدلًا في جميع الأمور، لا تُفْرِط، ولا تُفَرِّط.طالب: ذكرنا البارحة يا شيخ (...)، وذكرت بعض الأدلة شيخ بس بعض الإخوة، وهذا مقياس ليس صحيحًا (...)؟ الشيخ: لا شك (...)، وأن الإنسان يجب أن يتقدم (...) ما يتقدم (...). الطالب: (...)، والسنن كاملة للإمام (...)، وذكر بعض الأشياء فقلت له: لعلك تتناقش مع الشيخ حتى نستفيد إحنا وإياه.الشيخ: (...) العلماء على كل حال مختلفون في هذه المسألة (...).طالب: الصحيح يا شيخ؟الشيخ: الصحيح أنه حرام كما قال شيخ الإسلام بن تيمية، وأنه لا يجوز، وفيها مفاسد غير مسألة أنك (...) أنك تتهاون (...)، هذا المكان في (...) مثل ما عرفت.القاعدة الخامسة والعشرون
حدود الله قد أمر بحفظها ونهى عن تعديها وقربانها
قال تعالى: وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [التوبة: ١١٢]، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩]، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].أما حدود الله فهي ما حده لعباده من الشرائع الظاهرة والباطنة، التي أمرهم بفعلها، والمحرمات التي أمرهم بتركها، فالحفظ لها أداء الحقوق اللازمة، وترك المحرمات الظاهرة والباطنة.ويتوقف هذا الفعل وهذا الترك على معرفة الحدود على وجهها، ليعرف ما يدخل في الواجبات والحقوق، فيؤديها على ذلك الوجه كاملة، غير ناقصة، وما يدخل في المحرمات ليتمكن من تركها، ولهذا ذم الله من لم يعرف حدود ما أنزل على رسوله، وأثنى على من عرف ذلك.وحيث قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا، كان المراد بها: ما أحلَّه لعباده، وما فصَّله من الشرائع؛ فإنه نهى عن مجاوزتها، وأمر بملازمتها.كما أمر بملازمة ما أحله من الطعام والشراب واللباس والنكاح، ونهى عن تعدي ذلك إلى ما حرم منها من الخبائث، وكما أمر بملازمة ما شرعه من الأحكام في النكاح، والطلاق والعدد وتوابع ذلك، ونهى عن تعدي ذلك إلى فعل ما لا يجوز شرعًا، وكما أمر بالمحافظة على ما فصله من أحكام المواريث ولزوم حده، ونهى عن تعديه ذلك، وتوريث من لا يرث، وحرمان من يرث، وتبديل ما فرضه وفصَّله بغيره.وحيث قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا، كان المراد بذلك: المحرمات، فإن قوله: فَلَا تَقْرَبُوهَانهي عن فعلها، ونهي عن مقدماتها وأسبابها الموصلة إليها والموقعة بها، كما نهاهم عن المحرمات على الصائم، وبيَّن لهم وقت الصيام فقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا.وكما حرم على الأزواج أن يأخذوا مما آتوا أزواجهم شيئًا إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا. وكما صرح بالمحرمات في قوله: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا [الإسراء: ٣٢]، وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢].فالخير والسعادة والفلاح في معرفة حدود الله، والمحافظة عليها، كما أن أصل الشر وأسباب العقوبات الجهل بحدود الله، أو ترك المحافظة عليها، أو الجمع بين الشرين، والله أعلم. الشيخ: هذا واضح أيضًا، الحدود: هو ما حدده الله لعباده من المباحات والواجبات والمأمورات والمنهيات، فأما المأمورات فإن الله يقول: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا، وكذلك المحلَّلات، وأما المنهيات فيقول: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا؛ وذلك لأن الراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيها، فإذا قربت هذه المحرمات أوشك أن تقع، وكلما كانت المحرمات يعني تدعو النفوس إليها أكثر كان النهي عن قربانها أبعد وأوكد، ولهذا حُرِّم على الرجل أن ينظر إلى المرأة الأجنبية منه، أو أن يُكلِّمها على سبيل التلذذ والتمتع بصوتها؛ لأن ذلك يجر إلى الزنا، وقد قال الله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا.في مسائل الربا حرم الله أشياء ليس فيها ظلم؛ فإنك إذا اشتريت صاعًا من البُرّ الطيِّب بصاعين من البر الرديء اللذين يساويان الصاع في القيمة، فليس هذا بربا، وهو أهون على المكلَّف من أن يذهب فيبيع الرديء، ثم يقبض ثمنه، ثم يشتري الطيب، أيهما أسهل؟طلبة: الأول.الشيخ: الأول، إنه يجي دكان عنده بر طيِّب، ويقول: هذان صاعان من البر الرديء، وأعطني صاعًا من البر الطيب والصاعين بعشرة والصاع بعشرة، ما فيه ظلم، هذا حرام، ليش؟ لأنه يجر إلى الربا الصريح والذي يتضمن الظلم، وهو أن نعطيه عشرة دراهم نقدًا بخمسة عشر درهمًا مؤجلة، وهذا هو الربا.والحاصل أن المحرمات يقال فيها أيش؟ الطلبة: فَلَا تَقْرَبُوهَا.الشيخ: فَلَا تَقْرَبُوهَا، وكلما كانت المحرمات مما تدعو النفوس إليه كان النهي عن قربانه أوكد، ويُنهى عن القرب منه بكل وسيلة «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» .لماذا والقليل هذا لا يسكر؟ لأنه يجر إلى شرب الكثير فيسكر؛ فإن النفوس تدعو كثيرًا إلى تناول هذا المسكر؛ فلذلك حُرِمت منه على وجه بعيد.أما إذا كانت الحدود مما أُمر به أو مما أحل فيقال: لَا تَعْتَدُوهَا، والاعتداء: اعتداء الواجبات أن يزيد فيها أو يقصر، والاعتداء في المحللات أن ينتقل منها إلى الْمحرَّمات، فمثلًا نحن أمرنا بالأكل والشرب، لكن نُهينا عن الإسراف: وَلَا تُسْرِفُوا [الأنعام: ١٤١].فلو أن أحدًا قُدِّم له طعام شهي لذيذ فأكل منه حتى صار لا يحمل بطنه إلا مع العصا، ويش يكون هذا؟ الطلبة: إسراف.الشيخ: إسراف، حرام؛ ولهذا قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: إنه يحرم على الإنسان الأكل إذا خاف تخمة أو أذى التخمة الواضحة؟طالب: أيش التخمة؟الشيخ: التخمة هي النتن، يسمونها الناس عندنا الغيرة، تغيُّر معدته، عندنا هنا نسميها الغيرة؛ يعني نتن المعدة؛ لأن المعدة إذا ثقل عليها الطعام ولم تهضمه أنتن فيها؛ لأن السوائل التي تذيبه وتذيب الكفتة تعجز عنه، فينتن في هذا الوعاء وعاء مخطوم ينتن، وتجد الإنسان إذا مثلًا تجشأ يحس برائحة كريهة تخرج منه، فإذا خرج من ذلك فإن الأكل يحرم، هذا من باب تعدي الحدود في المباحات. إذن الحدود إما واجبات، أو مُحلَّلات، أو محرمات؛ ففي المحرمات يقول الله تعالى: لَا تَقْرَبُوا، وفي الواجبات والمحللَّات قال: لَا تَعْتَدُوا.طالب: شيخ، من ناحية الربا مثلًا واحد قال: بأديك عشرة ريالات، وتعطيني خمسة عشر ريالًا بدالها، أو عشرين ألفًا، وتعطيني ثلاثين ألفًا، قال: بشتري سيارة بعشرين ألفًا، وبعطيك إياها وتعطيني بدالها سيارة تسوى أكثر من عشرين ألفًا. الشيخ: ثلاثين. الطالب: إي، مثلًا ثلاثين.الشيخ: بعطيك السيارة بثلاثين ألفًا؟الطالب: بعشرين ألفًا. الشيخ: أشتريها بعشرين؟الطالب: وأعطه إياها بثلاثين، يجوز هذا؟الشيخ: ما يجوز.الطالب: أنا أشتريها بعشرين قيمتها بعشرين، وأعطه إياها، وأقول: تعطيني بعدين مثلًا بعد سنة تعطيني ثلاثين ريالًا، يجوز هذا؟طالب آخر: هذا بالتقسيط. طالب آخر: إن كان باعها عليه بهذا الغرض، هذا لا يجوز.الشيخ: نعم.الطالب: وإن كان اشتراها، وهذا أراد أن يشتريها منه بدون اتفاق بينهما، فهذا جائز. طالب آخر: يجوز يا شيخ. الشيخ: لا، التفصيل أنه إن أراد السيارة فلا بأس، وإن أراد الدراهم، وجعل السيارة واسطة فهو حرام، أراد السيارة؛ يعني أنا مثلًا أبغي سيارة، ولا عندي فلوس، فذهبت إلى شخص عنده سيارة، وقلت: باخذ منك هذه السيارة، وهي تساوي عشرين الآن بشتريها منك بثلاثين إلى سنة، ما فيه مانع سواء كان مقسطها أو بيد واحدة، هذا لا بأس به، أما إذا كان قصدي الدراهم، فإن ذلك له صورتان: الصورة الأولى: أن أشتريها منه بثلاثين مثلًا وأبيعها عليه هو نفسه بعشرين وأقل من عشرين، فهذه حرام بلا شك، وتسمى هذه مسألة العينة، ما هي التورّق؟ هذه مسألة العينة إذا بعتها على اللي اشتريتها منه تسمى مسألة العينة، وإن بعتها على رجل آخر وهو الوجه الثاني، فإن هذه مسألة التورق، وفيها قولان لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد؛ قول: أنها حرام، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. وقول ثاني: أنها حلال، كما جاز أن يشتري هذه السلعة لذاتها فإننا نقيس عليها نفس هذه السلعة لقيمتها، فأنا إن اشتريت هذه السلعة بثمن زائد سواء انتفعت بالسلعة نفسها أو بعتها، وانتفعت بثمنها لا فرق، ولكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله أقرب إلى الصواب؛ لأن هناك فرقًا بين ما يكون قصدي السلعة نفسها، أو أن يكون قصدي قيمة هذه السلعة.طالب: ما الفرق بينه وبين مسألة الأخذ بالسَّلَم؟ الشيخ: السَّلم لا، السَّلَم: أن أقدم الثمن وأؤخر المدة، وأنا مُريد للسلعة، أنا أيها المشتري المسلم مريد للسلعة. طالب: قضية السيارة (...) بثلاثين.الشيخ: أنا استلمت (...) بشتري منك سيارة بعد سنة بثمانية عشر ألفًا، وهي تساوي عشرين الآن أعطيته ثمانية عشر ألفًا، فهل أنا أريد السيارة ولَّا لا؟طلبة: أريدها. الشيخ: لكن المسألة الأولى ما أردت السيارة، ما أردت إلا الدراهم، هذا وجه.الوجه الثاني: أن السَّلَم ما فيه ربح معين محدد؛ لأن هذا المسلم الذي أعطى دراهم السيارة ربما عند تسليم السيارة تساوي هذه السيارة أكثر مما قدرناها به أو أقل، بل ربما ترخص الأشياء، وأنا أعطيتك مثلًا عشرين وأنت أعطيتني السيارة، ولا تسوى إلا خمسة عشر ألفًا بخلاف المسألة الأولى.طالب: مسألة في بعض المعارض تيجي له يعطيك خمسة عشر ألفًا أو شيئًا، ويخرج السيارة، ويرجع يعطيك ثمن السيارة ناقصة كاش مقدم، السيارة إذا كانت بعشرين ألفًا يستخرجها بعشرة آلاف، وتدفع الباقي أقساطًا، يعني يصح هذا؟ الشيخ: ما فيه مانع. الطالب: يعني هي نفسها السيارة تجد صاحبها..الشيخ: اشتريت هذه السيارة من صاحب المعرض بعشرين ألفًا.الطالب: لا، غير هذا، مثال: إنه صاحب معرض ثاني، معرض صغير تذهب له وتقول: أنا محتاج حوالي عشرين ألفًا وثلاثين ألفًا، يعطيك خمسة عشر ألفًا، ويقول لك: روح، خرِّج لي السيارة الفلانية وأنا أعطيك قيمة السيارة. الشيخ: كيف يعني؟الطالب: مثال، إنه السيارة هذه معرض عيني، تذهب له، وتتفق معاه على أساس إنك تروح لشركة (تويوتا) أو أي شركة تطلع السيارة بالمبلغ المقدم، ثم تأتي وتبيع هذه السيارة بنفس المبلغ، وتدفع له..الشيخ: ما يجوز، واضح؛ يعني يعطيك هو قيمة السيارة تروح تشتري له.الطالب: أيوه، المقدم فقط.الشيخ: يعطيك قيمة السيارة الآن، وتروح تشتريها له وتجيبها له، ويبعها عليك بثمن مؤجلة.الطالب: لا، يعطيك المبلغ وأنت تبيع له الباقي، تبيع له نفس السيارة، تدفع الدين وتدفع..طالب آخر: كأنه يسلفه أول الأمر فيشتري السيارة، ويبيعها له (...). الطالب: ويفضل الأقساط اللي في الشركة عليه.الشيخ: لا، أنا فهمت أن أنا مثلًا تاجر جئت إليّ، وقلت: أبغي أشتري هذه، قلت: خذ هذا خمسة عشر ألفًا وروح اشترِ السيارة من المعرض، وراح اشتراها، والمعرض أعطاهم الدراهم اللي أنا أعطيته، وكتبتها عليه بالتقسيط. الطالب: لا، ما هو عليه هو، هو عليه أن يُخرج السيارة، ويرجع يدفع لك ثمن السيارة، باقي السيارة المؤخَّر؛ يعني السيارة بعشرين ألفًا، تذهب إلى المعرض، ويعطيك عشرة آلاف ريال وتدفع..الشيخ: ما فيه شيء؛ يعني معناه أنك أخذت خمسة عشر ألفًا، وكُتبت السيارة على التاجر؟الطالب: في معرض آخر، لا عليك أنت، يمكن ما أنت فاهم قصدي؟! الشيخ: لا، ما أنا فاهم. الطالب: فيه يعني تاجر والمدِين، المدين يجي للتاجر يقول: أنا محتاج سيارة كذا كذا، قصدي محتاج دين دراهم قدره عشرون ألفًا، وإحنا قلنا: هذه السيارة بخمسة عشر ألفًا، يعطيك المبلغ المقدَّم التاجر هذا يقولك: روح الشركة الفلانية وخرّج لي السيارة الصنف الفلاني الفلاني، أنت تذهب للشركة الفلانية، وتدفع المبلغ حق التاجر مقدمًا، خذ المبلغ، ثم ترجع، ويكون عليك نفس الدين الباقي.الشيخ: طيب، أخذت السيارة؟الطالب: أخذت السيارة، ترجع لنفس التاجر هذا، وترجع له خمسة عشر ألفًا، ويأخذ الخمسة عشر ألفًا، ويعطيك المبلغ الباقي.الشيخ: من أين جبت الخمسة عشر ألفًا.الطالب: أستغفر الله!! الخمسة آلاف حقه يأخذها ويرجع يعطيك فوقه المبلغ المؤخّر اللي على الشركة عندك، نفس اللي أخذ منه دين، ومن ثم أنت تسدد الأقساط على الشركة في كل سنة ولَّا كل شهر ألف ريال حتى ينتهي التقسيط.الشيخ: ما يجوز أبدًا.طالب: اكتبها كتابة. الشيخ: لا، المهم الآن اللي إحنا فهمنا أنك تيجي لهذا التاجر، وتقول: أنا محتاج إلى عشرين ألف ريال فيقول: خذ خمسة عشر ألف ريال، وروح اشترِ سيارة من المعرض، فذهبت للمعرض واشتريت السيارة بخمسة عشر ألف ريال..الطالب: ويكون عليك دين المبلغ.الشيخ: وكُتبت السيارة باسم مَنْ؟الطالب: باسمك أنت. الشيخ: الدائن ولا المدِين؟ الطالب: المدِين.الشيخ: باسم المدين، كتبت باسمه، الآن صارت الخمسة عشر ألفًا القيمة من هذا الرجل، وهي كتبت عليه.الطالب: إي، ويكون عليك في نفس الشركة هذه اللي أخذت منه السيارة دين مؤخر اللي أنت تسدده بالأقساط.طالب آخر: يعني التاجر طلبت منه عشرين ألفًا، وأعطاني خمسة عشر، ولكنه سجل عليَّ عشرين ألفًا، كذا؟طالب آخر: لا، ما هو نفس التاجر، الشركة، ما هو فيه شركة في تقسيط السيارة (...).***
القاعدة السادسة والعشرون
الأصل أن الآيات التي فيها قيود لا تثبت أحكامها إلا بوجود تلك القيود إلا في آيات يسيرة
وهذه قاعدة لطيفة؛ فإنه متى رتب الله في كتابه حكمًا على شيء، وقيده بقيد، أو شرط لذلك شرطًا، تعلّق الحكم به على ذلك الوصف، الذي وصفه الله تعالى، وهذا في القرآن لا حصر له، وإنما المقصود ذِكر المستثنى من هذا الأصل الذي يقول كثير من المفسرين إذا تكلموا عليها: هذا قيد غير مراد، وفي هذه العبارة نظر؛ فإن كل لفظة في كتاب الله فإن الله أرادها وفيها فائدة، قد تظهر للمتكلم وقد تخفى.الشيخ: قد تظهر للمخاطب.الطالب: مكتوب، قد تظهر للمتكلم.الشيخ: المخاطب، المتكلم ما تخفى عليه، من المتكلم بالقرآن؟الطلبة: الله سبحانه وتعالى.الشيخ: فهي قد تظهر للمخاطب.***
الطالب: قد تظهر للمخاطَب، وقد تخفى، وإنما مرادهم بقولهم: (غير مراد) ثبوت الحكم لها، فاعلم أن الله تعالى يذكر الأحكام الشرعية من أصول وفروع، ويذكر أعلى حالة يبرز معانيها لعباده، ليُظهر لهم حسنها، إن كانت مأمورًا بها، أو قبحها إن كانت منهيًّا عنها، وعند تأمل هذه الآيات التي بهذا الصدد يظهر لك منها عِيانًا فمنها قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ [المؤمنون: ١١٧].ومن المعلوم أن من دعا مع الله إلهًا آخر فإنه كافر، وأنه ليس له برهان، وإنما قيدها الله بهذا القيد بيانًا لشناعة الشرك والمشرِك، وأن الشرك قطعًا ليس له دليل شرعي ولا عقلي، والمشرك ليس بيده ما يُسوِّغ له شيئًا من ذلك.ففائدة هذا القيد التشنيع البليغ على المشركين بالمعاندة ومخالفة البراهين الشرعية والعقلية، وأنه ليس بأيديهم إلا أغراض نفسية ومقاصد سيئة، وأنهم لو التفتوا أدنى التفات لعرفوا أن ما هم عليه لا يستجيزه من له أدنى إيمان ولا معقول، ومنها قوله تعالى..الشيخ: القيد الذي قد يقال: إنه غير مراد قوله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ؛ فإنك لو اعتبرت هذا قيدًا لكان معنى الآية: ومن يدع مع الله إلهًا آخر له به برهان فلا حساب عليه، وهل هذا موجود؟طلبة: لا.الشيخ: ولكن أراد الله عز وجل أن يُبيّن شناعة هذا القول، وأن حقيقة الأمر أنه لا برهان لمن جاء مع الله إلهًا آخر.***
الطالب: ومنها قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣]. مع أن كونها في حجره أوفي غير حجره ليس شرطًا لتحريمها، فإنها تحرم مطلقًا، ولكن ذَكَر الله هذا القيد تشنيعًا لهذه الحالة، وأنه من القبيح إباحة الربيبة التي هي في حجر إنسان بمنزلة بنته، فذكر الله المسألة متجلية بثياب قُبحها، ليُنفِّر عنها ذوي الألباب، مع أن التحريم لم يُعلَّق بمثل هذه الحالة، فالأنثى إما أن تكون مباحة مطلقًا، أو مُحرَّمة مطلقًا سواء كانت عند الإنسان أم لا، كحالة بقية النساء المحلَّلات والمحرَّمات.الشيخ: وهذا الذي ذهب إليه الشيخ هو الصحيح؛ والدليل أنه هو القول المراد أن الله تعالى ذكر هذا لبيان قبح هذا الأمر لا لاشتراط الحكم؛ لأنه قال: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ. ولم يقل: فإن لم يكن في حجوركم، فلما ذكر الحكم في مخالفة إحدى القيدين عُلِم..الطالب: ثم إنه جاءته آفة وإعصار أحرقه، وأتلفه عن
آخره، فكيف تكون حسرة هذا المغرور؟ وكيف تكون مصيبته؟ وهذا هو الذي جاء بعد
العمل بما يبطل عمله الصالح من الشرك أو النفاق أو المعاصي المحرقة، فيا ويحه بعدما
كان بستانه زاكيًا زهيًّا أصبح تالفًا قد أيس من عوده، وبقي بحسرته مع عائلته.
فهذا من أحسن الأمثال وأنسبها؛ فقد ذكر الله صفة بستان من ثبته الله على
الإيمان والعمل، وبستان من أبطل عمله بما ينافيه ويضاده، ويؤخذ من ذلك أن الذي لم
يُوفّق للإيمان ولا للعمل أصلًا أنه ليس له بستان أصلًا.
ووجه تشبيه الأعمال
بالبساتين أن البساتين تمدها المياه، وطيب المحل، وحُسن الموقع، فكذلك الأعمال
يمدها الوحي النازل لحياة القلوب الطيبة، وقد جمع العامل جميع شروط قبول العمل من
الاجتهاد والإخلاص والمتابعة فأثمر عمله كل زوج بهيج.
وقد مثل الله عمل الكافر
بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً فيأتيه وقد اشتد به الظمأ، وأنهكه الإعياء فيجده
سرابًا، ومثّله بالرماد الذي أُحرق فجاءته الرياح فذرته فلم تُبقِ منه باقية، وهذا
مناسب لحاله وبطلان عمله، فإن كفره ومعاصيه بمنزلة النار المحرقة، وعمله بمنزلة
الرماد والسراب الذي لا حقيقة له وهو كان يعتقده نافعًا له، فإذا وصله، ولم يجده
شيئًا تقطَّعت نفسه حسرات وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [النور: ٣٩] كما مثل نفقات المخلصين بذلك
البستان الذكي الزاهي.
طالب: شيخ، فيه هنا مكتوب
فهذا مثل العمل (...) في ظلمات التقليد (...)؟
الشيخ:
هو لازم ها التقليد، ما يجد كلمة إلا يقحمها، غلط هذا، نحن لا شك أن التقليد الأعمى
ما هو طيب، لكن كون كل شيء كل بحث نجعل فيه التقليد، (...) كلام فيه.
المهم -كما
قلت لكم- أن الطابع -عفا الله عنا وعنه- كان يزيد وينقص.
الطالب: ومَثّل نفقات المرائين بحجر أملس عليه شيء من
تراب.
الشيخ: بحجر أيش؟
الطالب: أملس.
الشيخ: حرك
السين.
الطالب: بحجر أملسَ.
الشيخ: لأن فيه الوصفية ووزن الفعل.
الطالب: بحجر أملسَ عليه شيء من تراب، فأصابه مطر شديد تركه
صلدًا، لا شيء فيه؛ لأن قلب المرائي لا إيمان فيه ولا إخلاص، بل هو قاسٍ كالحجر،
فنفقته حيث لم تصدر عن إيمان، بل رياء وسمعة لم تُؤثّر في قلبه حياة ولا زكاة، كهذا
المطر الذي لم يؤثر في هذا الحجر الأملس شيئًا.
وهذه الأمثال إذا طُبّقت على
ممثلاتها وضّحتها وبينت مراتبها من الخير والشر والكمال والنقصان.
ومثل الله
حال المنافقين بحال من هو في ظلمة فاستوقد نارًا من غيره، ثم لما أضاءت ما حوله،
وتبين له الطريق ذهب نورهم، وانطفأ ضوءهم، فبقوا في ظلمة عظيمة أعظم من الظلمة التي
كانوا عليها أولًا.
وهكذا المنافق استنار بنور الإيمان؛ فلما تبين له الهدى
غلبت عليهم الشقوة، واستولت عليهم الحيرة، فذهب عنه نورُه أحوج ما هو إليه، وبقي
بظلمة متحيرًا فهم لا يرجعون؛ لأن سنة الله في عباده أن من بان له الهدى واتضح له
الحق، ثم رجع عنه أنه لا يوفّقه بعد ذلك للهداية؛ لأنه رأى الحق فتركه وعرف الضلال
فاتبعه، وهذا المثل ينطبق على المنافقين.
الشيخ:
وفي الآية الكريمة: فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة: ١٧].
ونحن نعلم أن النار فيها حرارة وفيها
نور، فإذا ذهب النور حلت الظلمة، وبقيت أيضًا الحرارة، فصار -والعياذ بالله- في
حرارة وظلمة.
طالب: (...) إذا رأى الإنسان الإيمان ثم
تركه لا (...)؟
الشيخ: مثل ما قال الشيخ، هؤلاء لما
لغوا الإيمان، وتركوه ذهب الله بنورهم، وكما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠]، ولهذا من أشد ما يكون أن الإنسان يبين له الحق، ولو في مسألة
جزئية، ثم يتركه اتباعًا لهوى نفسه أو خوفًا من العامة، أو ما أشبه ذلك، فهذا ربما
يحرم الحق في المستقبل، ولا يبين له، أو يبين له، ولكنه مُصِرّ على خلافه؛ ولهذا
يجب على الإنسان إذا علم الحق أن يبادر به أيًّا كان، سواء كان ذلك في أصول الدين
أو في فروعه، إن صح أن نُقسِّم الدين إلى أصول وفروع؛ لأن بعض العلماء شيخ الإسلام
ابن تيمية يقول: الدين ما ينقسم إلى أصول وفروع، وأن التقسيم إلى أصول وفروع غير
منضبط، واختلفوا فيه ما هي الأصول؟ وما هي الفروع؟
طالب: (...)؟
الشيخ: صحيح حسب ما
قسموه، وليس بصحيح حسب الواقع؛ لأن هناك أركان الإسلام ليست كأنها أصول: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ» .
وكما قال تعالى كلمة الإخلاص: أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم: ٢٤].
طالب: شيخ، يكون صحيحًا ولَّا؟
الشيخ: إي، صحيح على حسب تقسيمهم؛ هم يقولون: الأصول هي الأمور
العلمية، والفروع هي الأمور العملية.
وبعضهم يقول: الأصول ما لا يُعذر فيه
بالجهل، والفروع ما يعذر فيه بالجهل، ولكن الصحيح أن يقال: إن الدين له أركان، وله
شرائع غير الأركان.
طالب: بعض الناس يقسمون إلى قشور
ولب، أشياء تكون..
الشيخ: لا، غلط، هذا غلط ما يمكن
نقول بالدين قشور؛ لأن القشور يُرمى ولا يؤبه لها، ولا شيء في الدين اسمه قشور
أبدًا.
الطالب: مسألة القدر؟
الشيخ: لا، غلط، ما هو صحيح، هذا غلط جدًّا، أنت إذا كان معاك
فسفُس، ويش تسوي بالقشور؟
الطالب: أرميها
طبعًا.
الشيخ: ترميها، هل في الدين شيء يُرمى؟!
الطالب: يمكن قصدهم مثلًا لماذا (...) صغيرًا أفضل من
أنك تبدأ من..
الشيخ: ما يخالف، إحنا نقول: ابدأ
بالأهم فالأهم، لكن ما نقول: إن في الدين قشورًا أبدًا، كل الدين لُبّ، لكن بعضه من
أركان الإسلام أو أركان الإيمان، وبعضه دون ذلك.
طالب:
شيخ، قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: ٢٠٨]، هل يستفاد منه أن الدين كله أصول؟
الشيخ: لا، ما يدل على هذا.
***
الطالب: وهذا المثل ينطبق على المنافقين الذين تبصَّروا وعرفوا، ثم غلبت عليهم الأغراض الضارة فتركوا الإيمان.***
القاعدة الثالثة والعشرون
إرشادات القرآن على نوعين
أحدهما: أن يرشد أمرًا أو نهيًا وخبرًا إلى أمر معروف شرعًا أو معروف عرفًا كما تقدم.| قَدْ جَرَّبُوهُ فَمَا زَادَتْ تَجَارِبُهُمْ | أَبَا قُدَامَـــــــــةَ إِلَّا الْمَجْــــــــدَ وَالْفَنَـــــعَ |
***
القاعدة الرابعة والعشرون
القرآن يرشد إلى التوسط والاعتدال في الأمور، ويذم التقصير والغلو ومجاوزة الحد
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [النحل: ٩٠]، قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف: ٢٩]، والآيات الآمرة بالعدل والناهية عن ضده كثيرة، والعدل في كل الأمور لزوم الحد فيها، وألا يغلو ويتجاوز الحد، كما لا يقصر ويدع بعض الحق، ففي عبادة الله أمر بالتمسك بما عليه النبي صلى الله عليه وسلم في آيات كثيرة، ونهى عن مجاوزة ذلك، وتعدي الحدود في آيات كثيرة، وذم المقصِّرين عنه في آيات كثيرة.القاعدة الخامسة والعشرون
حدود الله قد أمر بحفظها ونهى عن تعديها وقربانها
قال تعالى: وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [التوبة: ١١٢]، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩]، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].***
القاعدة السادسة والعشرون
الأصل أن الآيات التي فيها قيود لا تثبت أحكامها إلا بوجود تلك القيود إلا في آيات يسيرة
وهذه قاعدة لطيفة؛ فإنه متى رتب الله في كتابه حكمًا على شيء، وقيده بقيد، أو شرط لذلك شرطًا، تعلّق الحكم به على ذلك الوصف، الذي وصفه الله تعالى، وهذا في القرآن لا حصر له، وإنما المقصود ذِكر المستثنى من هذا الأصل الذي يقول كثير من المفسرين إذا تكلموا عليها: هذا قيد غير مراد، وفي هذه العبارة نظر؛ فإن كل لفظة في كتاب الله فإن الله أرادها وفيها فائدة، قد تظهر للمتكلم وقد تخفى.***
الطالب: قد تظهر للمخاطَب، وقد تخفى، وإنما مرادهم بقولهم: (غير مراد) ثبوت الحكم لها، فاعلم أن الله تعالى يذكر الأحكام الشرعية من أصول وفروع، ويذكر أعلى حالة يبرز معانيها لعباده، ليُظهر لهم حسنها، إن كانت مأمورًا بها، أو قبحها إن كانت منهيًّا عنها، وعند تأمل هذه الآيات التي بهذا الصدد يظهر لك منها عِيانًا فمنها قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ [المؤمنون: ١١٧].***
الطالب: ومنها قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣].